أبو نصر الفارابي
86
احصاء العلوم
غرض واضع الشريعة بالعلة التي شرعها في الأمة التي لها شرع « 1 » . وكل ملة ففيها آراء وأفعال : فالآراء مثل التي تشرع في الله وفيما يوصف به ، وفي العالم أو غير ذلك . والأفعال مثل الأفعال التي يعظم بها الله ، والأفعال التي بها تكون المعاملات في المدن « 2 » . فلذلك يكون علم الفقه جزءين : جزء في الآراء ، وجزء في الأفعال . علم الكلام وصناعة الكلام « 3 » - يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي صرح بها واضع الملة ، وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل ، وهذا ينقسم جزءين أيضا : جزء في الآراء ، وجزء في الأفعال « 4 » .
--> ( 1 ) إن مهمة الفقه هي استنباط الأحكام في الأمور التي لم ترد في الشرع من الأمور التي صرح بها الشرع إذا كان ثمة علة مشتركة بينها . ( 2 ) الفقه قسمان : قسم يتعلق بالمعتقدات والآراء وقسم يتعلق بالأعمال والمعاملات . ( 3 ) صناعة الكلام : علم الكلام . وهو عبارة عن الجدل حول العقائد الدينية ولا سيما أصول الدين كالله وصفاته وأفعاله وخلق العالم . وقد عرفه ابن خلدون بقوله : « هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذهب السلف وأهل السنة » . ( 4 ) لم يوضح الفارابي ما ذا يعني بالآراء والأفعال في علم الكلام . وربما قصد بالأفعال أفعال الإنسان الخلقية وسلوكه لأن المتكلمين تطرقوا إلى المسائل المتعلقة بالأخلاق والحرية والإرادة والصالح والطالح والخير والشر .